ابن الحسن النباهي الأندلسي
233
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
حكم بشهادة نفسه ، ركان متهما ، وصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره . وأيضا ، فإنّ علمه لما تعلّق به الحكم على وجه الشهادة ، فإذا مضى به صار كالقاضي بشاهد واحد . قالوا : والدليل على جواز حكمه بما علمه في حال القضاء وفي مجلسه قوله - عليه السلام - : « أنا أقضي على نحو ما أسمع » ولم يعرف بين سماعه من الشهود أو المدّعى عليه ، فيجب أن يحكم بما يسمعه من المدّعى عليه ، كما يحكم بما يسمعه من الشهود . واحتجّ بعض أصحاب مالك ؛ فقالوا : الحاكم غير معصوم ، ويجوز أن تلحقه المظنّة في أن يحكم لوليّه وعلى عدوّه ، فحسمت المادة في ذلك بأن لا يحكم بعلمه ؛ لأنّه ينفرد به ، ولا يشركه غيره فيه ، فظهر ، على ما تقرّر في المسألة من مذهب الشافعيّ ومن تبعه ، أنّ قول ابن رشد نحو الرجل إذا أقرّ عند القاضي قبل أن يستقضي ، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم ، في أنّه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار ليس بصحيح ؛ بل الخلاف في المسألة موجود اللّهمّ إلّا إن أراد بقوله ما يرجع إلى المشهور في المذهب أو قصد الأعمّ والأغلب ، فقد يوجد نحو هذا لابن الموّاز وابن حبيب في غير ما موضع . والاختلاف فيه حاصل . قال القاضي أبو عبد اللّه بن الحاجّ في « نوازله » ، عند تكلّمه في مثل هذه المسألة : وقد سبق إلى ذلك الأئمّة كمالك ومن تقدّمه ؛ يقولون : أجمع الناس والاختلاف موجود إذ لا يعبأ بالشذوذ . وكذلك قول ابن رشد في القسم الثاني من أقسامه الثلاثة ، فإن قضى عليه بذلك الإقرار ، نقض حكمه بذلك ما لم يعزل ؛ ولم يردّه من بعده من الحكّام مراعاة لقول أهل العراق ، فيلزمه أيضا على قياسه عدم بعض أحكام من أخذ بمذهب الشافعيّ أيضا في جواز حكم القاضي بما علمه قبل قضائه . وعلى كلّ تقدير ، فطريق الاحتياط هو العمل فيما أمكن على الإشهاد . ولذلك عدّ العلماء في أدب القضاء أن يكون الحكم بمحضر عدول ، ليحفظوا إقرار الخصوم خشية رجوع بعضهم عن مقالتهم . ولو كان القاضي ممّن يقضي بعلمه ، لكان أخذه بما لا خلاف فيه أحسن لمثله ، وليكون حكمه بشهادتهم لا بعلمه . وقد روى عن عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - أنّه لم يكن ينفذ الأحكام في الغالب إلّا بمجمع من